محمد جمال الدين القاسمي

308

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولكنه خرج الضرب أي : المشي لغير السفر ، لما كان يقع منه صلى اللّه عليه وسلم من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه ، ولا يقصر . ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء . فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا . ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل ، يعد في مسيره إليه مسافرا ، قصر الصلاة . وإن كان ذلك المحل دون البريد . ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاث وما زاد على ذلك ، بحجة نيرة . وغاية ما جاءوا به حديث « 1 » : لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم . وفي رواية : يوما وليلة . وفي رواية : بريدا . وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه . والاحتجاج به مجرد تخمين . وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائيّ قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة ؟ فقال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ ، صلى ركعتين . والشك من شعبة . أخرجه مسلم وغيره . فإن قلت : محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم ، هو كونه صلى اللّه عليه وسلم سمى ذلك سفرا . قلت : تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا . فقد سمى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مسافة الثلاث سفرا . كما سمى مسافة البريد سفرا ، في ذلك الحديث باعتبار اختلاف الرواية . وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا . فإن قلت : أخرج الدّارقطنيّ والبيهقيّ والطبرانيّ من حديث ابن عباس أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : يا أهل مكة ! لا تقصروا في أقل من أربعة برد . من مكة إلى عسفان - قلت : هو ضعيف لا تقوم به الحجة . فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر . وهو متروك . وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها . والحاصل أن الواجب هو الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة . كذا في ( الروضة الندية ) . ( وفي المصباح ) : سفر الرجل سفرا مثل طلب ، خرج للارتحال . وفي ( القاموس ) : قوم سفر وسافرة وأسفار وسفار : ذوو سفر ، لضدّ الحضر . هذا وللقصر مباحث مقررة في شروح السنة . ولما كان النص السابق الوارد في مشروعية القصر مجملا بيّن كيفيته بصورة في مزيد الحاجة إليها ، ويكتفي فيما عداها ببيان السنة ، فقال تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الحج ، حديث 423 ونصه : عن أبي سعيد الخدريّ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ، أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا ، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها » .